• 09.00 to 18.00
    Monday to Sat Day
  • Head Office
    +90 539 590 2749
  • İspartakule - Bizimevler 5B
    Avcılar, İstanbul, Turkey

العقود المشروطة في بيع العقارات: حلول مقترحه لمشكلة الركود في تجارة العقار في المملكة العربية السعودية

 

بقلم أنس فرهود – الوكالة العالمية للمفاوضات. بتاريخ 9 يناير 2017.

 

يشتد الجدال في المملكة العربية السعودية على موضوع انخفاض أسعار العقارات من عدمه، وتوقعات هبوط أكبر في الأسعار في الفترة القادمة، ويضع بعض المحللين إطارا زمنيا من 6 أشهر لهبوط شديد في أسعار العقارات خلال تلك الفترة ناصحين الراغبين في شراء عقارات بالانتظار والتأني ريثما تتضح الأمور.

هذا وقد نشر الأستاذ عبد الحميد العمري عدة مقالات سابقة في ذلك الشأن، معلقا على توقعاته وتحليلاته بنزول العقار في تلك المقالات، وموضحا أن تجار العقار يحاولون ما استطاعوا تكذيب تلك الأخبار والتغطية عليها لمنع أو تبطيئ هبوط الأسعار قدر الإمكان والحد من خسائرهم، أو على الأقل نقصان أرباحهم.

ويعتمد الأستاذ عبد الحميد العمري بشكل كبير في تحليلاته على بيانات وزارة العدل في تثبيت أسعار البيع والشراء بحسب العقود الأخيرة، والتي تظهر فعلا لأي محلل أن الأسعار في هبوط ملحوظ عن الفترات السابقة. وفي مقابلة معه في برنامج الثامنة على قناة MBC الفضائية، يختلف ضيوف الحلقة من تجار العقار ومقدم البرنامج الأستاذ داوود الشريان مع الأستاذ عبد الحميد عن وثوقية بيانات وزارة العدل في عكس الأسعار الحقيقية وحالة السوق العقاري. إلا أن الأستاذ عبد الحميد استغرب في نفس المقابلة اعتماد تجار العقار على تلك البيانات عندما كانت تعكس ارتفاعا في الأسعار، وأنكارهم لموثوقيتها عندما بدأت تعكس انخفاض الأسعار.

 

حقائق يجب ألا ننساها:

إن سوق العقار كشأن أي سوق آخر، هو سوق حر، يعتمد بالدرجة الأولى وبشكل كبير جدا على حالة العرض والطلب. ومن الطبيعي أن يقوم أي شخص بالدفاع عن مصالحه. فمن مصلحة المواطن أن تنخفض الأسعار ليقوم بشراء ما يحتاجه، أو ليقوم باستثمار ما في نفس السوق. كما أنه من مصلحة تاجر العقارات أن ترتفع الأسعار فتزيد أرباحه.

إن الحالة الصحية للسوق هي برأي الكاتب أن تحافظ الأسعار على مستوى معين ضمن حدود معقولة يكون فيها ربح البائع متعلقا بنسبة سمسرته بالإضافة للأرباح الجانبية الناتجة عن ذبذبة السوق. أما الأرباح الحقيقية في مجال العقارات فيجب أن تكون ناتجة عن تطوير العقارات. ففي معظم الأسواق العقارية حول العالم، يزيد سعر العقار في حالات عدة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر الحالات التالية:

1-      تطوير منطقة ما وتخطيطها: فعندما تخطط الدولة منطقة ما، سواء كانت في وسط المدينة أو في أطرافها، وتحسن خدماتها من طرقات وأنفاق ومواصلات وجسور وبنية تحتية ... إلخ. فمن المنطقي أن تزيد أسعار العقارات في تلك المنطقة.

2-      التوسع العمراني: عندما تنمو الأمم وينمو اقتصادها، فإن مدنها لا بد أن تتوسع. وكلما توسعت مدينة ما في اتجاه معين، كلما زادت أسعار الأراضي في مناطق التوسع، وكذلك في المناطق المجاورة حتى التي لم يشملها التوسع بعد. إن شركة إعمار العقارية على سبيل المثال، تتخذ استراتيجية رائعة في هذا المجال. فالشركة تشتري مساحات واسعة من الأراضي الرخيصة، وتبدأ بتطويرها والتوسع العمراني فيها، ولكنها تبدأ من أبعد نقطة عن المدينة، ثم تتجه بالعمران باتجاه المدينة. إن لتلك الطريقة فائدة الربح المتراكم، فالأرض التي تجري عليها المرحلة الثانية من التوسع العمراني، تزداد فيها قيمة الأرض فقط بسبب الانتهاء من المرحلة الأولى، فتربح الشركة من عملية تطوير أرض المرحلة الثانية، وتربح من ازدياد قيمة الأرض الناتج عن الانتهاء من المرحلة الأولى، وتستمر العملية ذاتها بعد الانتهاء من كل مرحلة.

3-      تجديد بعض العقارات القديمة: بنى الكثير من تجار العقار في عدة دول أخرى ثروات رائعة باتباع تلك الاستراتيجية. فهم يقومون بشراء منزل ما في منطقة ما، ويقومون بإعادة إكساءه داخليا وتجديد كل ما فيه من صباغ ورخام وديكور وإنارة، ويقومون بفرشه في بعض الأحيان أيضا. ثم يعودون لعرضه للبيع، وهي ما تسمى باستراتيجية القيمة المضافة. فهم عمليا لا يكسبون الكثير من قيمة العقار نفسها، وإنما من الأعمال والتحسينات التي أجريت عليه.

لا يخفى عن المرء الفوائد العظيمة للطرق الثلاث السابقة في تجارة العقارات. فهي ليست بعيدة كل البعد عن الحرمانية فحسب، بل إنها تخلق فرصا أكبر للعمل في المجتمع وتساهم في تطوره. فتجار تجديد العقارات القديمة على سبيل المثال ليسوا الوحيدين المستفيدين من تلك العملية، بل إن كل من عمل وساهم في تجديد العقار من عامل الصباغ وعامل التمديدات وعامل الكهرباء... إلخ، والتجار الموردين للمواد المستخدمة في تلك التحسينات، جميعهم مستفيدون من تلك العملية. كما أن الزبون هو المستفيد الأول، فتلك العملية توفر عليه الوقت الكثير، وتزيد من قيمة المنطقة التي قرر الاستثمار أو الإقامة فيها.

أما الربح الناتج عن زيادة غير مبررة في أسعار العقارات، فهو أمر مشكوك في تحليله من جهة بحسب بعض علماء التشريع، كما أنه من جهة أخرى يشكل فقاعة اقتصادية سيأتي يوم وتنفجر لتعود قيمة العقار للقيمة الحقيقية المناسبة، ولكن ذلك الانفجار سيسبب أزمة مالية قد ترقى لتصبح عالمية كما حدث في عام 2008.

على العموم، فإننا يجب ألا ننسى أن آلاف تجار العقار سيكونون من المتضررين جدا فيما لو نزلت أسعار عقاراتهم، فكثير منهم اشتروا تلك الأراضي بأسعار عالية، وانخفاض أسعارها قد يؤدي إلى إفلاس الكثيرين. كما أن البنوك التي مولت تلك العقارات هي أيضا معرضة لنفس المخاطر كما حدث في الولايات المتحدة الأمريكية في عام 2008. وعليه فإنه من الطبيعي جدا أن يقوم أولئك التجار بإنكار أي انخفاض ومحاولة التغطية عليه لإنقاذ تجارتهم، أو حتى وجودهم. من جهة أخرى، فإنه من الخطر جدا أن تعرض تجار العقار لمثل تلك الخسائر، فخروج الصغير والمتوسط منهم من السوق، سيترك السوق للكبار فقط، وسيقوم أولئك باحتكار السوق وسيعملون على زيادة الأسعار مرة أخرى. ومن المؤكد أن ذلك لن يكون في مصلحة المواطن أو المستثمر.

لنشرح تلك الفكرة بشكل أفضل، نذكر مثالا من فيلم جسر الجواسيس (The Bridge of Spies) بطولة الممثل توم هانكس. في ذلك الفيلم تجري عملية تفاوض مهمة بين بطل الفيلم، والذي كان محاميا في شركة محاماة ويدافع عن إحدى شركات التأمين في أحد القضايا، ومحام آخر يدافع عن مصلحة أحد عملاء تلك الشركة والذي كان يطالب بمبلغ تعويضي أكبر عن أحد الحوادث التي أمن ضدها من قبل. في نهاية تلك المفاوضات، يقول بطل الفلم للمحامي الآخر أن شركة التأمين ستدفع ما هو معقول ومنطقي بحسب العقد للمتضرر من الحادث، وأن محاولة أخذ مبلغ أكبر من المستحق من شركة التأمين سيجعلها خاسرة، فإذا ما تكرر ذلك في حالات التأمين والحوادث، فإن شركات التأمين لن تعود للعمل وستخرج من السوق، وعندها فلن يكون أحد أمنا بعدها.

بنفس المقاربة، فإننا إن قمنا بإيذاء تجار العقارات في المملكة، وأخرجناهم من السوق، وهم لم يسعوا إلا إلى الرزق الحلال من خلال التجارة، فإن الخاسر الأكبر سيكون السوق السعودي والمواطن السعودي. وعليه، فإن الحل المقترح لا بد أن يأخذ بعين الاعتبار مصالح جميع الأطراف، وهنا نقصد المشترين والمستثمرين من جهة، وتجار العقارات من جهة أخرى، ليخرج الجميع رابحا، وإلا فإن أي نتيجة لن تكون إيجابية في المجتمع أو السوق.

 

حلول مقترحة:

يقترح الكاتب هنا بعض الحلول لتسوية الأزمة لتشكل رؤية متكاملة للحل، لا تقل فيها أهمية أي عنصر عن الآخر. فما هي تلك الخطوات المقترحة؟

1-      يجب أن يبدأ التجار فورا باتباع استراتيجية القيمة المضافة على عقاراتهم، سواء المعروضة للبيع، او المحتكرة لفترات نمو لاحقة في السوق. ولا يتم ذلك إلا عن طريق الاستثمار الإضافي فيها، من خلال التجديد أو التطوير، فرادى أو متحدين، للنمو في المناطق التي يتاجرون فيها. فإذا اجتمع تجار مالكون لأراض كبيرة في أحد المناطق، فمن المفيد جدا بيع إحدى تلك الأراضي بمبلغ صغير يقترب من رأس المال، أو حتى بخسارة، وتقاسم التجار المتحدون جميعا الخسارة الناتجة عن تلك الأرض، وذلك بشرط أن يقوم المشتري بتطوير مركز تجاري في تلك المنطقة مثلا. أو إذا اجتمع التجار لنفس المنطقة وحسنوا خدماتها على حسابهم الشخصي، أو أنشأوا حديقة جميلة تجمل المنطقة برمتها، أو أي من الأفكار الأخرى التي تحسن من مستوى إحدى المناطق والعقارات الداخلة ضمنها، فإن ذلك من شأنه رفع قيمة ذلك العقار مما يمكنهم من البيع بسعر أفضل وتعويض خسارتهم في التطوير.

2-      يجب أن يفهم التجار ثلاثة أمور، أولا: إن زيادة قيمة عقار معين لا يتم إلا بالاستثمار، أي أنهم يجب أن ينفقوا بعض المال على عقاراتهم لتحسينها قبل بيعها والربح فيها. ثانيا: أن المشتري أو المستثمر لن يقوم بعملية الشراء إلا إذا كان مقتنعا بأن القيمة التي سيدفعها مساوية لما سيتم الحصول عليه مقابلها. ثالثا وأخيرا، إن من خواص التجارة التي أحلها الله وحرم مقابلها الربا، هي أن التجارة رهن للربح والخسارة، فيجب أن يتقوا الله ويقبلوا الخسارة ويحاولوا تعويضها بالطرق الحلال ليبارك الله لهم بها، ويبتعدوا عن الطرق الحرام التي يتبعها بعضهم كالاحتكار والكذب وخداع الناس لأنهم وإن نجحوا لبرهة فإن البركة لن تكون حليفتهم.

3-      تقاسم الأرباح، وهذا يعني أن يتم تقاسم الربح الذي يريده التاجر من عقار ما مع الزبون، فإذا كان التاجر غير مقتنع تماما بأن أسعار العقار لن تنخفض خلال الفترات القادمة، وإذا كان الربح الذي يرتجيه ذلك التاجر في أرض ما 200 ألف ريال على سبيل المثال، فليتقاسم التاجر ذلك الربح مع الزبون من خلال التفاوض، فيبيع الأرض بربح 100 ألف ريال، ويترك 100 ألف ريال للزبون. بذلك فإن التاجر يكون قد حول العقار المهدد بانخفاض سعره إلى سيولة نقدية مع ربح أقل، وستفيده تلك السيولة كثيرا لشراء أراض جديدة وتطويرها عندما تنخفض الأسعار. إن للسيولة القيمة الأهم في فترات الركود وانخفاض الأسعار.

4-      إذا أراد التاجر تحريك السوق وإنهاء الركود، وهو من جهة أخرى مقتنع تماما بأن الأسعار في السوق لن تنخفض، وأن ما يتم تداوله في الصحافة وعلى مواقع التواصل الاجتماعي غير حقيقي، فليثبت ذلك من خلال العقود المشروطة. كمثال على ذلك، لنفرض أن أحد التجار يريد بيع قطعة أرض في أحد المناطق، والتاجر مقتنع تماما بأن سعر الأرض لن ينخفض بعد ستة أشهر، والزبون الراغب بالشراء مقتنع تماما بأن سعر الأرض سينخفض بعد ستة أشهر بنسبة 30% على سبيل المثال. يستطيع الطرفان بتلك الحالة إنشاء عقد مشروط ينص على أنه وبعد ستة أشهر من تاريخ العقد فإن 30% من قيمة الأرض سيتم دفعها من قبل الزبون، أو إرجاعها من قبل التاجر للزبون، على أي الطريقتين اتفقا. فإذا استلم التاجر المبلغ كاملا، وانخفض سعر الأرض ما بين 5% إلى 30% مثلا، فإن التاجر سيعيد ما يعادل قيمة الانخفاض إلى الزبون. أما إذا لم ينخفض فلا يعيد التاجر شيئا. بنفس الطريقة، إذا احتفظ الزبون بقيمة الـ 30% من قيمة العقد، وانخفض سعر الأرض بقيمة 30% أو أقل، فإن الزبون سيحتفظ فقط بقيمة الانخفاض بالسعر، وسيدفع الباقي للتاجر، أما إن لم تنخفض الأسعار، فسيدفع الزبون الـ 30% كاملة للتاجر.

إن مشكلة تلك الطريقة هي وجوب وجود مرجع يقبله الطرفان لتقييم الأسعار عند توقيع العقد وعند انتهاء مدة الأجل للنسبة المتبقية. يمكن أن يتفق الطرفان على سبيل المثال بالرجوع لبيانات وزارة العدل، أو تحكيم طرف ثالث يرضاه الطرفان ويشهد على ذلك في العقد.

 

الركود ضد مصلحة الجميع:

إن اقتصاد المملكة العربية السعودية من أقوى الاقتصاديات في العالم رغم كل الصعوبات الحالية. وإن استمرار النمو في جميع أسواق المملكة وصناعاتها له من الضرورة في المرحلة الحالية ما لم يكن له في المراحل السابقة. إن الركود في سوق العقار وانحساره، وهو من الأسواق المهمة للنمو بشكل عام، له من السلبيات ما سينعكس لا محالة على جميع الأسواق الأخرى. ولابد للجميع من تجار ومستثمرين ومشترين أن يعملوا جهدهم لإنهاء حالة الركود تلك. لا يكفي أن يتم طرح المشاكل على الرأي العام، بل يجب أن توجد الحلول التي يخرج منها الجميع رابحون، وبأقل التكاليف الممكنة. وعلى جميع الأطراف وضع أنفسهم في مكان الطرف الآخر وسماع مشاكله لإيجاد الحلول المعقولة. وفق الله سمو خادم الحرمين الشريفين والحكومة السعودية العتيدة والشعب السعودي الكريم إلى ما فيه خير الأمة وصلاحها.

إسطنبول في 09\يناير\2017

أنس فرهود

الوكالة العالمية للمفاوضات